تصعيد المستوطنين في الأغوار الشمالية يهدد ما تبقى من مقومات حياة 650 فلسطينياً
تصعيد المستوطنين في الأغوار الشمالية يهدد ما تبقى من مقومات حياة 650 فلسطينياً
تعيش قرية شلال العوجا شمال مدينة أريحا واحدة من أقسى مراحل الاستهداف اليومي، في ظل تصاعد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين التي تطول البشر والحجر ومقومات الحياة الأساسية، لم تعد هذه الاعتداءات أحداثا عابرة أو فردية، بل تحولت إلى سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم قسرا إلى الرحيل، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد بالقوة في منطقة تعد من أكثر المناطق الفلسطينية حساسية من الناحية الجغرافية والسياسية.
بحسب ما نقلته وكالة صفا السبت عن مصادر حقوقية ومحلية فلسطينية، تتعرض قرية شلال العوجا لاعتداءات شبه يومية تشمل التخريب المتعمد للممتلكات، والاستفزاز المنهجي للأهالي، وبث أجواء الخوف والترهيب دون أي تدخل يوفر الحماية للسكان، وهذه الاعتداءات باتت جزءا من مشهد يومي يعيشه نحو 650 فلسطينيا يقطنون القرية، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع مجموعات من المستوطنين المدعومين بقوة الجيش الإسرائيلي.
اقتحام سياسي بنكهة استيطانية
في تطور يعكس خطورة المرحلة، اقتحم عضو الكنيست الإسرائيلي المعروف بتطرفه تساڤي سوكوت تجمع شلال العوجا، واعتدى على نشطاء تواجدوا للتضامن مع العائلات الفلسطينية المهددة بالتهجير، هذا الاقتحام لم يكن حادثة معزولة، بل جاء في سياق تصعيد تقوده شخصيات سياسية إسرائيلية متطرفة، ما يمنح الاعتداءات بعدا رسميا ويزيد من شعور الأهالي بأنهم مستهدفون على أعلى المستويات.
أسفرت الضغوط والاعتداءات المتواصلة في شلال العوجا عن تهجير 79 عائلة فلسطينية قسرا، في مشهد يتكرر في مناطق أخرى من الأغوار والضفة الغربية، فالعائلات التي غادرت لم تفعل ذلك طوعا، بل بعد أن ضاقت بها سبل العيش، وتحولت حياتها اليومية إلى سلسلة من التهديدات والخسائر المتراكمة.
الاستعمار الرعوي كسلاح
أقام المستوطنون الإسرائيليون بؤرة استيطانية قرب القرية تضم أكثر من 1000 رأس من الأغنام، جرى رعيها بين مساكن الأهالي وفي أراضيهم الزراعية، وهذا الشكل من السيطرة، الذي يعرف بالاستعمار الرعوي، لم يعد يقتصر على الاستيلاء على الأرض، بل يمتد إلى تدمير المحاصيل، ومنع الرعي الفلسطيني، وقطع مصادر الرزق الأساسية، في محاولة لإفراغ الأرض من أصحابها الأصليين.
لطالما شكل نبع العوجا والمراعي المحيطة به شريان الحياة الأساسي لأهالي القرية، حيث يعتمدون عليه في الرعي والزراعة وتربية المواشي، إلا أن هذه التلال تحولت اليوم إلى مسرح مفتوح للاعتداءات، إذ يمنع السكان من الوصول إلى مصادر المياه، وتتعرض مواشيهم للسرقة، فيما تُدمر الممتلكات وتُقطع سبل العيش بشكل متعمد، ليصبح الخوف جزءا دائما من تفاصيل الحياة اليومية.
أطفال في دائرة الاستهداف
لم تسلم الفئات الأضعف من هذا التصعيد، حيث طالت اعتداءات المستوطنين الأطفال بشكل مباشر، سواء عبر الترهيب أو ملاحقتهم أثناء تنقلهم، أو عبر خلق بيئة نفسية قاسية تنعكس على حياتهم اليومية وتعليمهم، وفي قرية صغيرة مثل شلال العوجا، بات الأطفال يكبرون على مشاهد الخوف والتهديد بدل الأمان والاستقرار.
ما يحدث في شلال العوجا ليس استثناء، بل جزءاً من مشهد أوسع يمتد على طول الشريط الشرقي للضفة الغربية، من الأغوار الشمالية وصولا إلى مسافر يطا جنوبا، وتتزامن هذه الاعتداءات مع سياسات إسرائيلية أوسع تهدف إلى الضم والتهجير، ما ينذر بتفريغ مساحات شاسعة من سكانها الفلسطينيين لصالح التوسع الاستيطاني.
أرقام التهجير في تصاعد
وفق معطيات منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، أُجبرت عشرات العائلات الفلسطينية على الرحيل خلال الأسابيع الماضية فقط. فقد رحلت 20 عائلة من عرب الرشايدة في منطقة يطا، و13 عائلة من عرب الغوانمة، و26 عائلة من الكعابنة، نتيجة اعتداءات متكررة ومضايقات يومية جعلت الاستمرار في العيش أمرا شبه مستحيل.
يؤكد مختصون في شؤون البدو وحقوق الإنسان أن ما يجري يعكس سياسة مدروسة تهدف إلى خلق بيئة غير صالحة للحياة، عبر مزيج من العنف المباشر والضغط الاقتصادي والاجتماعي، هذه السياسة لا تستهدف الأفراد فقط، بل تضرب النسيج الاجتماعي للتجمعات البدوية، وتدفعها نحو التفكك والرحيل القسري.
تسببت هذه الانتهاكات في أزمات اقتصادية خانقة للأهالي، مع فقدان مصادر الدخل المرتبطة بالزراعة والرعي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الشعور بالأمان، كما أدت إلى تفكك اجتماعي ومعاناة نفسية عميقة، خاصة لدى النساء والأطفال، الذين يعيشون تحت ضغط دائم دون أفق واضح للحل.
صمود مهدد ولكن قائم
رغم كل ما يتعرض له أهالي شلال العوجا، لا يزال كثيرون منهم متمسكين بأرضهم، معتبرين أن الرحيل يعني خسارة التاريخ والهوية قبل خسارة البيت، إلا أن استمرار الاعتداءات وغياب الحماية يضع هذا الصمود أمام اختبار قاس، في ظل ميزان قوى مختل وانعدام المساءلة.
تعد قرية شلال العوجا واحدة من التجمعات البدوية الفلسطينية في الأغوار الشمالية، وهي منطقة استراتيجية تشكل نحو ثلث مساحة الضفة الغربية، منذ سنوات، تتعرض هذه المنطقة لسياسات تضييق ممنهجة تشمل هدم المنازل، ومنع البناء، والسيطرة على مصادر المياه، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين، وتؤكد تقارير حقوقية دولية أن الاستعمار الرعوي أصبح أداة رئيسية لتهجير الفلسطينيين، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض دون قرارات رسمية معلنة، وفي ظل غياب أي حماية فعلية للسكان، تتزايد المخاوف من تفريغ الأغوار من سكانها الأصليين، ما يشكل ضربة قاسية للوجود الفلسطيني ومستقبل حل الدولتين.











